نقطة ولا دايرة


مرة كنت باتكلم مع صاحبتي فبتقول لي: "أنا معرفش أقول كلمة "دوج" بالعربي، ترتيب الحروف الكاف وبعديه اللام مش بتركب معايا باحسها حاجة وحشة أوي... أنا باقول لأولادي حطوا هدومكم الـ"مش نظيفة" في سلة الغسيل عشان برضه الكلمة التانية فيها حرف الواو وبعديه السين مش مريحين... مقدرش أنطقهم" وهي فعلا صادقة بكلامها لأني لما أنا نطقت الكلمتين اللي بيضايقوها لقيتها اتضايقت حتى لما سمعتهم. الأسهل اننا نستبدل كلمة "كلب" باللفظ الانجليزي وكلمة "متوسخة" بكلمتين عربي مريحين أكتر وبيفيدوا نفس المعنى.

الحوار ده حصل من أكتر من 8 سنين وافتكرته امبارح وانا باقرأ مقال أثار جدل كبير جدا لما انستاجرام شالت (مرتين) صورة للشاعرة روبي كور بتعبر بيها عن حاجة أنثوية، أو بالأحرى حالة أنثوية، بطريقة جريئة جدا وجديدة بالنسبة لي. الحالة دي طول عمرها بتحيرني ازاي أبصلها، هل هي نقطة؟ عشان لما بتحصل بيتمحور حواليها يومي أو أسبوعي وبتكون هي نقطة الأساس في قراراتي اني ألبس إيه وأعمل إيه وأخد إيه في شنطتي وأرتاح إمتى وأخد دوا ولا لأ، هي فعلا نقطة. لكنها برضة دايرة عشان بتلف وبترجع كل شهر، بتلففني وبتدوخني في مراحلها اللي بتتوج بحدث معين كل شهر، هي دايرة زي القمر بيلف ويبانلنا بدر، مرة كل شهر.

بيتهيألي ان محدش مننا كبنات في مصر بيستخدم الإسم العلمي للحالة دي مع انه كلمة واحدة وسهل خالص لكننا بنرتاح نسميها بإسم خواجاتي مستورد سواء نطقنا الحرف الأول صح ولا غلط، هي كده، "بيريود"، ما اسمهاش "حيض" ولا حتى "دورة شهرية" عشان دي كلمات بنستصعب نقولها، حروفها مرصوصة غلط يمكن، على رأي صاحبتي، أو لأننا اتربينا كبنات اننا نربط الكلمة دي، أو الحالة دي، بحبل آخره حجر كبير ونلفها هي وكل ما يحيط بيها ونرميها في المحيط، تنزل لأعماقه أبعد حتى من السر اللي في البير.

الصورة اللي حطتها الشاعرة الهندية خضتني وكانت مش مريحة خالص لما شفتها، وتخيلت ردة فعلي كانت هاتبقى عاملة ازاي لو كنت ذكر مش أنثى. الخضة دي كمان فاجأتني وخلتني أتضايق من نفسي الصراحة لأني باعتبر نفسي صاحبة فكر متحرر ومؤيدة لحقوق المرأة وحرية التعبير والفكر وممكن أتقبل حاجات كتيرة، بس لما الصورة صدمتني ومعرفتش أتقبلها بسرعة، بدأت أعيد التفكير بكل الاعتبارات دي. دوّرت جوايا على مساحة هدوء كافي عشان أسمع بتأني للي كاتباه روبي كور، مش تبرير للصورة وإنما شرح لسبب انها أخدت اللقطة دي أساساً وليه بتشاركها مع العالم كله: "أنا بانزف كل شهر عشان أحافظ على البشرية وتفضل ممكنة. رحمي هو بيت لشيء مقدس، مصدر حياة للجنس البشري، سواء أنا اخترت الإنجاب أو لأ، بس من النادر اننا نبصلها بالشكل ده. في حضارات قديمة كانت بتعتبر دم البيريود مقدس ولسا في شوية حضارات بتعتبره كده، بس غالبية الناس والمجتمعات دلوقتي بتهرب من العملية الطبيعية دي."

الشاعرة بتعترض على سياسة انستاجرام اللي بتقبل صور تعذيب وصور عري لإناث قاصرات وصور رقيق وصور إذلال وصور إيذاء وتعسف، بس بنفس الوقت سياستهم بترفض صورة لبنت بكامل ملابسها وفي بقعة دم صغيرة على هدومها وعلى ملاية السرير. روبي كور بتقولهم: "ده بيورينا مين اللي قاعد ورا المكتب ومين اللي بيتحكم بالعرض ومين اللي بياخد قرارات الميديا ومين اللي بيمارس علينا الرقابة" 

هي بتستغرب من الناس اللي مش بتعترض على حاجات فظيعة زي العنف ضد المرأة وتحقيرها واستخدام الأنثى لأغراض إباحية والنظر للسيدات نظرة جنسية، ازاي مش بيعترضوا على الحاجات دي وبنفس الوقت بينزعجوا وبيتعصبوا من موضوع البيريود. هم مش شايفين البيريود على انها حاجة طبيعية زي التنفس، على انها جسر بيوصل ما بينا كبشر دلوقتي ومابين اللي قبلنا، هي حالة حب وألم وحياة وعطاء، حاجة رائعة الجمال.

روبي كور بترفض تماما فكرة الصمت فيما يخص البيريود. "الخبرة دي كلنا كإناث بنمر بيها، ورغم كده بيتقالنا انها حاجة ما يتبصلهاش، ينفع بس نشعر بيها ورا أبواب مقفولة....مش أنا اللي بانزف، عقلية مجتمعهم الذكوري هي اللي بتنزف، كراهيتهم للنساء هي اللي بتنزف"

فكرت كتير بالصورة اللي شفتها والكلام اللي قريته وده خلاني أراجع موقفي أنا كأنثى شرقية تجاه البيريود بتاعتي أنا ونظرتي ليها ولنفسي، أراجع كل اللي اتعلمته من صغري عن الموضوع ده، أراجع تقاليد مجتمعنا والطريقة اللي اتربينا عليها كبنات وكبرنا وبقينا بنربي بيها بناتنا. وقفة الصدق مع الذات، وقفة المراجعة دي مش حاجة سلبية، مش لازم نخاف من النقد والتقييم اللي بيحصل جوانا، احنا محتاجين إجابات لأسئلتنا الكتيرة وبدل ما نلاقي إجابات ونرتاح بنلاقي نفسنا بنتفرج على فيلم رعب: الأسئلة بتفرّخ! بتتضاعف زي الخلية تحت المجهر! دي بتكتر بدل ما تقل... ده شيء صحي وطبيعي تماما زي البيريود ما هي نعمة من ربنا وشيء صحي وطبيعي.

يمكن أتفق أو أختلف مع روبي كور ومع صورتها أو كتاباتها لكني باشكرها على جرأتها اللي هزتني وحطتني قدام تحدي كبير، يمكن في آخره ما اوصلش لمرحلة اني أتقبل الدورة الشهرية بتاعتي بشكل احتفالي فظيع لكني ع الأقل هاتعلم حبة حبة اني ما ارفضهاش واركنها على رف العيب والحرام والخزي والعار، يمكن هو تدريب واعي اني أحط النقط على الحروف، اني أبص بتدقيق أكتر وأشوف النقط الصغيرة المترتبة بمعجزة ونظام رائع جنب بعض، أتأمل في خليقة ربنا وجمالها جوايا، أشوف حكمته من ورا البيريود، من ورا حالة بتجيلنا كلنا مرة كل شهر حاملة معاها هدايا الوجع ووالنزيف والهرمونات والتعب، وأبص على اللي ورا كل اللخبطة دي وأدرب نفسي اني أمسك قلم رصاص وأرسم خط بيوصل النقاط دي في بعضها وبيديني شكل دايرة، بيديني شرف اني أكون أنثى، اني أكون جزء من دايرة الحياة، ان يكون عندي بيريود، نقطة ع السطر.


رهام جرجور

آذار\مارس ٢٠١٥


Photo Credit: Rupi Kaur