ثغرات الجراند أوتيل


يستحيل على المرء أن ينكر سحر مسلسل  "جراند أوتيل" بمشاهده الآخاذة وديكوراته الفاخرة وشخصياته الناجحة التي تابعنا تحركاتها وأنفاسها إلى الدرجة التي كنا بها نشتم رائحة العطر الذي يستخدمونه في مشاهد غنية وصلت بغناها حد الترف. ذلك الترف العاطفي بمشاعر جياشة تتخبط ما بين حب وكره، والترف البصري بألوان الأثاث والملابس والاكسسوارات، والترف السمعي بموسيقى كلاسيكية وأخرى درامية من المستوى الرفيع. ومما لا شك فيه أنه قد داعبت بعض الأمنيات السرية أفكارنا ولو للحظات حيث تمنينا خلالها أن نحظى بفتات من ذلك الترف في حياتنا الواقعية.

من فرط حبنا لهذا المسلسل جاءت النهاية غير مقنعة ولا مشبعة بالنسبة للكثيرين، إذ لم يكن “أدهم بيه حفظي” هو الوحيد الذي ابتلع السم ولكن المسلسل احتوى على سم آخر بجرعات مخففة ومقعنّة طالتنا نحن كمتلقين أو مشاهدين توجب على إثرها الوقوف وقفة شفافية ووعي كي نتجنب خطرها. فكان لابد من نهاية ضعيفة كي نستفيق من أحلامنا وننظر بموضوعية إلى ثغرات مسلسل “جراند أوتيل”.

دعونا نخطو خطوة داخل قارب سيبحر بنا في زرقة نهر النيل الأسوانية ويقف على مقربة من "الجراند أوتيل" تاركاً مسافة صحية يمكننا خلالها أن نستعيد وعينا وتفكيرنا الموضوعي، فمن موقعنا هذا سننظر إلى الـ"جراند أوتيل" من منظار جديد وسنبحث عن الثغرات المختبئة بين ثنايا هذا المكان الهادئ الصاخب في آن معاً كي لا يفرض علينا أو يدس في حياتنا أمراً ما كالسّم فنرى انعكاسه على حياتنا اليومية. إن أقل ما يمكن أن يقال عن هذا العمل هو أنه رائع، ولكنه لم يخلُ من الثغرات التي اختبأت ما بين طيات الجمال والرومانسية وقبلناها، بينما كنا سنرفضها لو رأيناها عارية دون أية رتوش.

الاستخفاف بقرار الارتباط

كان "مراد" و"نازلي"، أولاد العم، كما يُطلَق عليهم بالانجليزية high school sweethearts فقد تربيا معا منذ أن توفي شقيق "أدهم بيه" وكان "مراد" قد بلغ السابعة عشرة من العمر فانتقل إلى العيش في "الجراند أوتيل" ليقعا هو و"نازلي" في حب بعضهما البعض ويكبرا معا إلى أن أتى موعد السفر إلى إنجلترا قضت "نازلي" خلاله مدة طويلة تدرس وتتذوق طعم الغربة وفي نفس الوقت كانت تكبر بعيدا عن "مراد" جغرافياً وعاطفياً. 

لا يمكننا تماماً تبرئة "نازلي" والتماس الأعذار لها في استخفافها بأمر الارتباط حيث قامت بتلك الخطوة المتهورة وتزوجت من "مراد" في ظل الظروف التي تابعناها كلنا وهو زواج محتوم بالفشل وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان. ثم نجحت عبقرية الكاتب والمخرج والممثلين في كسب تعاطفنا مع علاقة الحب التي نشأت ما بين "علي" و"نازلي"، فهي مظلومة تعيش حبيسة علاقة زوجية غير مشبِعة، و"علي" مغلوب على أمره أمام عذوبة وجمال "نازلي هانم". إلا أن ناقوس الخطر كان حريّ به أن يدق باكراً جداً، فبمجرد أن يقرر اثنان على الزواج بمحض إرادتهما يجب أن يلتزما بهذا العهد وألا يسمح أحدهما لنفسه بأن ينجرف وراء حب رومانسي آخر لا يمكننا إلا أن نسميه باسمه الحقيقي أنه "غير شرعي". لكننا نحن أيضا كان مغلوب على أمرنا فقد بتنا نقارن خيانة "مراد" وعلاقاته الغير شرعية والمليئة بالشهوانية والسلطوية المرضية ما بينه وبين الخادمات ابتداء من "ضحى" ومن ثم "ورد" نقارنها بعلاقة "علي" و"نازلي" الفائقة العفة والرومانسية فنقبل الثانية بينما نحرم الأولى. لا يمكننا تحت أي مسمى أن نقبل ما حصل بين "علي" و"نازلي" على أنه حب عذري طاهر فأحدهما متزوج من شخص ثالث هو الحاضر الغائب في أي علاقة كهذه. كما أنه لايمكننا أن نقبل فكرة استخفاف "نازلي" بقرار ارتباطها وتناولها لموضوع الزواج بالطريقة التي فعلَتها لتصبح مثلاً أعلى يحتذى به لأي فتاة تظن أنها مظلومة في زواجها فتبيح لنفسها فكرة الدخول في علاقة رومانسية مع شاب آخر، سواء كان هو بدوره متزوجا أم لا. ما يشفع لنا هو أننا وإن قبلنا بتلك العلاقة إلا أننا أيدنا الحق عندما انتفضنا مع انتفاضة "أمين" عشية معرفته لحقيقة "ورد" فحملها هي على كتفه الأيسر واحتضن الطفل "سليم" بذرعه اليمنى وذهب طارقاً باب غرفة "مراد بيه" قائلا: "الحاجات دي تخصك... ما تخصنيش" فقد كان قبلاً يتقبل فكرة أبوته لـ"سليم" بمحض إرادته ظناً منه أن الأب الحقيقي هو "كلب عمل عملته وهرب" لكن ذلك الكلب عندما بات له وجه وإسم معروفان اقتضى الموقف رد فعل مختلف وكلنا احترمنا "أمين" بعد أن أعاد الحق إلى صاحبه حتى وإن كان الآخير شيطاناً.

مع كل محبتي واحترامي لـ "علي" و "نازلي" أقول لهما "اللي كنتوا بتعملوه ده على فكرة مش صح ومايرضيش ربنا" لكنني في نفس الوقت لا يمكنني أن أنكر كم استمتعت وسرحت وأبحرت بخيالي بعيدا وأنا أتابع مشاهد لقاءاتهما هناك في المكان السري أو تبادلهما للنظرات سرّا كي لا يلحظهما باقي الحاضرين. كنت فقط أتمنى لو أن حبهما هذا جاء بعيدا عن حقيقة زواجها هي من "مراد" فقد كنت سأستمتع بمتابعة تطورات هذا الحب بشوق أكبر وبضمير أكثر راحة.

الابتلاء، ما بين الحافز والسلبية

يقترح "إحسان بيه بركات" على والدته اقتراحاً يبدو منطقياً "يعني لو اتبنينا طفل صغير..." فتقاطعه هي بدورها وترفض تلك الفكرة "لا يا حبيبي لأ ... دي مشيئة ربنا ... ما نعترضش عليها أبدا ... ده ابتلاء من ربنا، نقبله، وما نعترضش عليه...". كلام جميل حقا ولكنه لا يتنافى مع اقتراح "إحسان". المسألة ليست مسألة إما أو، وكأن "إحسان" في هذه الحالة لو تبنى طفلاً فهو يعترض على حكم الله. الحقيقة أنه كان بإمكانه في ذات الوقت أن يقبل ظروفه ويحمد الله عليها وأن يتبنى طفلاً يتيماً يعوضه عن خسارة والديه فيحقق بذلك خيرا قد أراد الله أن يمنحه لهذا الطفل اليتيم من خلال "إحسان بيه". أما الابتلاء فسوف يتحول حينئذ إلى طاقة عطاء وعمل كي نحدث تغييراً إيجابياً في الإنسانية جمعاء من خلال فعل خير فردي بسيط. وبالتالي فأنا كإنسان، في وجه المحن التي قد تعصف بحياتي، سأصالح ما بين فكرة العيش في حالة رضى وقبول وتسليم لما قسمه الله لي وما بين القيام بدوري الناضج في إحداث تغيير نحو الأفضل.

كحلناه أم أعميناه

انتشرت خلال حلقات المسلسل وصفة الحل السريع أو الـ "ماك حل" ولكنه أمر لم يكحل المسلسل بل أعماه وقد يكون أعمى المشاهدين أيضاً عندما أقنعَنا بأن الحل السريع لأي مشكلة هو القتل. سوف تقوم "ضحى" بفضح العلاقة الغرامية ما بينها وبين "مراد" لذا يجب أن نقتلها، وعندما تعود من جديد نقتلها حقا هذه المرة، وعندما ينقذها "ماهر" ويخبئها في بيته نقتله هو، أما "ورد" فسننتظر أن تتمادى أكتر في جشعها إلى أن يتمنى جميع متابعي المسلسل موتها وعندها نقتلها أخيرا (وغالبا نقتل الطفل الرضيع معها!). ناهيكم عن تلميح "مراد" بأنه سيقتل "علي" والتهديد والوعيد العلني لـ"علي" بأنه سيقتل "مراد". إيه كل ده؟ من أين أتى هذا العنف القابع تحت سطح ذلك النهر الفيروزي الساكن؟ فإن كنا ننتقد علنا كم العنف الفعلي واللفظي في المسلسلات الرمضانية الأخرى فإننا يجب أن نقف وقفة تمعن أمام العنف الموجود في "جراند أوتيل" بدل أن نتعامل معه على أنه أمر عابر يمر علينا مرور الكرام، مرور الهوانم بفساتينهن واكسسواراتهن ومرور البهوات بساعات الجيب التي تتدلى سلاسلها من أزرار بزاتهم.

 لقد طفح بنا الكيل، فهذه ليست الطريقة التي تدار بها أمور حياتنا في الواقع. لو لجأنا إلى القتل، حتى وإن كان المعنوي منه لا الحرفي، في كل مرة نواجه بها مشكلة ما فستتحول علاقاتنا إلى مجازر. هناك مئات بل وآلاف الحلول غير القتل، منها على سبيل المثال لا الحصر، المواجهة والمصارحة أو طلب المعونة، منها الصدق والشفافية والتماس الأعذار، منها (كما طرح المسلسل في سياق آخر) الغفران والمسامحة، ومنها رد المسلوب والسعي نحو عودة الحق إلى أصحابه. في عصر ومجتمع مفعم بالعنف لا نحتاج قشة لتقصم ظهر البعير بل نحتاج إلى بذل مجهود أكبر في إيجاد حلول متوازنة وناضجة خاصة إن تعلق الأمر بعلاقات عزيزة على قلوبنا وتستحق منا عناء المحاولة أو المحازفة بعيدا عن سيناريوهات القتل والبتر والاجتثاث.

رصيد الزوجين في بنك الحب 

يعي "إحسان" تماما أن "أمال" كانت تحبه في مرحلة ما قبل نقطة التحول التي أودت بها إلى ارتكاب كل تلك الأخطاء في حق زوجها واعتمد في حجته تلك على حقيقة أنها أهدت له نصيبها من الأوتيل وهي بذلك تبدو كأنها أضافت إلى رصيده البنكي أرقاما مادية ولكنها في الحقيقة قد أضافت إلى رصيدها هي في بنك الحب الزوجي أرقاما معنوية. أما حب "إحسان" فلم يتوانى هو بالقول أو الفعل عن رفع رصيده في بنك حب زواجهما لدرجة التخمة.

إن أية علاقة زوجية هي بنك للحب يتوجب على كلا الزوجين أن يزيد رصيده فيه من خلال الأقوال والأفعال، لأنهما سيحتاجان إلى هذه الأرصدة عندما تهب الرياح كما لا تشتهي السفن. وهذا الرصيد الذي أودعته "أمال" في بنك الحب هو الذي شفع لها لدى "إحسان" كي يغفر إساءاتها المتكررة ويسامحها ويبدآن كليهما صفحة جديدة. لن ننكر هنا دور "عنايات هانم بركات"، فحتى وإن كانت مواقفها مع كنّتها قد بدأت بداية درامية غير محببة إلا أن "أمال" في النهاية رأت الحقيقة واعترفت بها بلسانها قائلة: "أكيد الست اللي تربي راجل زي إحسان، تقدر تسامح وتغفر". 

في داخل كل منا وجه طيب وآخر شرير فلماذا نختار أن نعلي مكانة الأخير؟ هل لأننا نرى الحب على أنه ضعف وانتقاص للكرامة في مجتمعنا الذي يعيش بحسب قانون الغاب حيث البقاء للأقوى؟ أم لأننا نسمح لعنصر ثالث أن يكون سيد الموقف فيعتلي الخوف عرش مشاعرنا ويتحكم بعلاقاتنا وبطريقة تفاعلنا مع أقرب الناس لنا. لماذا نخاف أن نحب؟ ماذا كانت "أمال" و"عنايات" تنتظران كي تصلا إلى هذه الحالة من الحب والغفران؟ فقد اثبتت المحنة أن في دواخلهما طاقة حب وغفران لا تنضب قد غيبها الخوف والفهم الخاطئ لطريقة حفاظ كل منهما على كرامتها أمام الأخرى وأمام المجتمع.

فوتوشوب الخمسينات:

كنا نتوق في المشهد الأخير لمعرفة ما هو الحدث الهام الذي يتطلب حضور جميع الشخصيات الرئيسية باستثناء "قسمت هانم" التي رفضت المشاركة بمحض إرادتها، فقد خاله بعضنا عشاءً مهماً أو احتفالاً أو تجمّعاً من نوع ما مع أن جملة "نازلي": "من ساعتين بالظبط انت كنت واقف لايص، والولاعة دي أنقذتك" كانت كفيلة بأن تذكرنا بيوم لقائها الأول بـ "علي" واستخدامهما لولاعة "أدهم بيه" التي تحتفظ بها هي بعد وفاته. لكن الصورة كشفت لنا عن شخص زائد وأخر ناقص.

وجود "فاطمة" على يمين الصورة تقف مع باقي الخادمات كان ثغرة ملحوظة. ألم تسافر عائدة إلى امها؟ ألم يشترِ"علي" لها تذكرة القطار بنفسه وينتظر برفقتها لمدة نصف ساعة إلى حين موعد السفر؟ هل أرسل أمين لها SMS  أو كلمها عبر سكايب وطلب منها القدوم أم أنها قرأت على صفحة الفيسبوك الخاصة بـ"جراند أوتيل" أن يوم الصورة الجماعية قد حان فأتت للمشاركة أو لتتصور سيلفي مع "عائلة الجراند أوتيل"؟

غياب الـ"ريس صديق" عن الصورة كان مُلفتاً أيضاً. إن انتصار البطل وزواجه من البطلة في نهاية سعيدة لقصة حبهما قد يكون مجلباً للحظ التعس فحاول الكاتب أن يختار "الوصيفة" الأولى ليعلق عليها شماعة الشؤم. فعلاقة "الريس صديق" بـ "الست سكينة" هي التي احتلت المرتبة الثانية في ماراثون العلاقات الرومانسية الشرعية منها وغير الشرعية في المسلسل لكن هذا لا ينفي حزننا العميق لأن "سكينة" آثرت أن تبقي على علاقتها بـ"صديق" ضمن إطار الحلم المستحيل، وهذا أمر قد نفهمه، إلا أننا ومن خلال معرفتنا لمدى نضج وتفاؤل "الريس صديق" يصعب علينا تصديق غيابه عن الصورة الجماعية، هل قدم استقالته من العمل وعاد إلى الاسكندرية لأنه لا يقوى على التواجد بالقرب من "سكينة" بعدما قالته له؟ أيعقل أن يكون "صديق" قد "اتقمص" كالمراهقين ورحل؟ فحتى لو خابت آمالنا مثله إثر سمعاعه لرد "سكينة" إلا أنه كان حري به أن يظهر في الصورة الجماعية.

في الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بكل الشكر والاحترام للمجهود الجبار الذي بذله طاقم العمل بممثليه المبدعين وبالقائمين عليه من النواحي الفنية كهندسة الديكور والصوت والإضاءة وتصميم الأزياء وتأليف الموسيقى التصويرية. تحية لمؤلف العمل الأستاذ تامر حبيب وللمخرج الأستاذ محمد شاكر. وكل عام والدراما المصرية بألف خير.


رهام جرجور

تموز\يوليو ٢٠١٦