الكرسي الخالي
في قلبها كرسيٌّ خالٍ، متناهٍ في الصِغَر، كلّما أغمضَت عينيها وأنصَتَت جيّدًا سمِعَت صوت أنفاس الرضيع النائم في هذا الكرسي.
طالَ انتظارُها له، وعلا بحرُ الدّمعِ الذي يملأ مهدًا صغيرًا لم تشترِه بعد، وكثُرَت المحاولات ومعها كثُرَت مُناجاتُها لطفلٍها: «آه لو تعلم يا حبيبي كم أحتمل وأصبر كلما لمحتُ أُمّا وكلما حملتُ طفلا وكلما دخلت عيادة الطبيب وكلما استلقيت على ظهري لأسابيع طِوال منتظرة نتيجة آخر محاولة طِبية وطريقة زرع مجهرية.
«قل لي يا صغيري، هل أنت قادم؟ إعفِني من عذاب الانتظار، قد يكون اليأس أكثرَ رأفة بي من أملٍ كاذب.»
***
في بيته كرسيٌّ خالٍ، يجلس عليه كلما ضاقت به الدنيا واحتاج أن يشتمّ رائحة الحكمة التي لا تزال تنبعث من خشبٍ عتيقٍ باقٍ حتى بعد رحيل صاحبه. «هل أنا أنانيٌّ يا أبي؟ هل اشتقتُ إليك بصدقٍ أم أنني فقط أفتقد ما كنتُ أحصل عليه من وجودك؟
«يدّعي البعض أن الموتى يسمعوننا إذا خاطبناهم، لكنني أحتاج أن أسمعك أنت، أن أسألك وأستشيرك، أن أعرف رأيك وأختلف معك. لماذا رحلت وتركتني بلا سند؟ الآن عرفتُ ثِقل الحمل الذي كان على أكتافك. اصبحتُ أنا الآن ’كبير الأسرة’ وهم لا يعلمون أني في أعماقي مكسور الظهر، جريح الجناح.»
***
على سُفرتها كرسيٌّ خالٍ، تعتصر مَعِدَتها ألمًا لرؤيته. لا يجد الطعام مكانًا في أحشائها لأنها جائعة طوال الوقت، جائعة لأن تقبّل وجنتيه للمرة الأخيرة، وتهمس في أذنه: «أنا أحبك، وسأظل أحبك حتى آخر نفَسٍ في عمري... عمري الذي لو كان بيدي لأعطيتك إياه ورحلتُ أنا عوضًا عنك.
«أنا آسفة يا ولدي، سامحني لأني ككل الأمهات الثكالى، نادمة على كل مرة حرمتك فيها من أمر أو أجّلته لأن قراري كان لصالحك، يا ليتني كنتُ أعلم...
«سريرك خالٍ في بيتنا، لكنك تنام في قلبي كل ليلة، ومثلما اتحد نبضي بنبضك تسعة شهوروأنت في أحشائي، عاد نبضينا ليتّحدا تسعة دهور وأنت تسكن قلبي وعقلي وفكري وتعشش في كل خلية في كياني... لأني أمك... وسأبقى أمك إلى مدى الأزمان...»
***
في أحلامِها كرسيٌّ خالٍ، تَحِيكُ له كلّ عامٍ غطاءً جديدًا من حرير صفاتٍها، وترصّعه بلآلئ شخصيّتها. تفرش الغطاء على الكرسيّ يوم عيد ميلادها وتتأمله بعدساتٍ من الدموع المنهمرة مع كل "عقبالِك" و "شدّي حيلك" و "نفرح بيكي" سمِعَتها طوال عامٍ آخر مرّ من دونه. وتسأل نفسها: «كم عامًا قادمًا سيشهد عدم وصوله؟ هل يفكر هو فيّ ويستعد للقائي كما أفعل أنا؟ هل أتاني متخفيًا فلم أعرف أنه هو، بل ظننته مجرد "عريس" آخر أو شابٍ "طالِب القرب" وأنا التي رفضتُه وأغلقتً أبواب قلبي وشغّلتُ عقلي أكثر من اللازم؟
«هل حصلتُ أخيرا على ذلك الوشم الذي يراه الجميع على جبين كل من تتأخر في الزواج مع أنها "كاملة الأوصاف" فيغدو عيبها الوحيد أنها "مغرورة" وتتحول الكلمة إلى لافتة تحذير في شارع حياتها كُتب عليها "إحذر الإقتراب". حتى وإن نجَحتُ في نزعِها من على الرصيف، إلا أنني سأفشل حتمًا في نزعها من عقول كل من أقابله في العمل ودور العبادة وأثناء السفَر والتجمعات العائلية واللقاءات الودية.»
***
وسط لياليها كرسيٌّ خالٍ، لا تراه بوضوح إلا في الظلام، بعد انسدال الهدوء، فضجيج منزلِها نهارًا يصُمّ الآذان، وعجيج أفكارها يزيد من علوّ الموج الذي يلطم وجهها فتتعذر الرؤية. لكن الكرسيّ قابعٌ هناك كالسراب، كلما ظنّت أنها اقتربت منه تجده قد استدار وابتعد... تمامًا كما استدار الخاتم وأحاط بإصبعها يوم زفافها، وكما استدار بطنها وتكوّر يوم أصبحت أمًّا، وكما استدارت أيامها كالدوامات مبتلعة أحلامها لنفسها ولمستقبلها. تغتال كلََ كلمة محذوفة من قاموس الأمومة، وتشتكي على أية فكرة كي تعتقلها شرطة مكافحة الأحلام، وتنبذ أي هدف لا ينصبّ في صلب بئر التضحيات الأنثوية لأسرتها.
الـ"أنا" تحوّلَت إلى "نحن"، لا بل تحوّلَت إلى "هم" وفقط هم: «ما هو هدف حياتي غير زوجي وأبنائي وأهلي؟ إنها أسمى الأهداف وأرقى التطلّعات وتتمناها ملايين النساء حول العالم وها أنا متذمّرة.. شاكية.. باكية.. منعدمة الضمير.. قليلة الإمتنان.. ناكرة للجميل...»
***
داخل مرآتها كرسيٌّ خالٍ، لا بل كرسيان، يتمركز كل واحد في سواد بؤبؤ عينيها. لذا كَرِهَت المرايا وتجنّبتْ النظر لانعكاس صورتها أينما كانت. «ما الفائدة يا أمي إن كنتُ أُشبِهُك في ملامحي لكنني أعجز عن أن أشبهَكِ في حياتي؟ لماذا لم تتركي لي دليلا شاملا يشرح بالتفصيل كيف يمكنني أن أكون ولو رُبعَ ما كنتِ أنتِ عليه في حياتك وما يقوله الناس عنك حتى بعد رحيلك؟ أتعلمين يا "ماما"... أسمع هذه الكلمة كل يوم عشرات المرات، نعم لقد أصبحتُ أنا أُمًّا. ومنذ أن حدث هذا وأنا تائهة... أهيم على وجهي في غابة الأمومة، أتخبط في قراراتي وفي تقصيري وعجزي.
«أحتاجك أكثر من أي وقت مضى. فقدتُكِ ... وبفُقدانِكِ فقدتُ بوصِلَتي وملاذي... فقدتُ ذلك الشخصَ الوحيدَ الذي كان سيفتخرُ بي، وسيخاف عليّ، وسينصحني بحنان، ويعاتبني بحب... فقدتُ كل ما هو "غير مشروط" وغدتُ "يتيمة" بكل مافي الكلمة من معنى وألم.»
***
في العيد... كرسي خالٍ... يتمركز حولَه عيدُنا... فإما أن نجتر أحزاننا ونبقى عالقين في حلقة مفرغة لا أمل بالخروج منها طالما أبقينا ذلك الكرسي في المركز... أو أن نتجرأ ونفرح بعد رحيل الغوالي فيباغتنا الذنب كالإرهابي مرتديًا حزامًا ناسفًا لأي فرحة وماسحًا لأي ابتسامة...يعتلي الكرسي الذي في المركز ويشد الزناد ويفجّرنا...
ما أكثرها...
تلك الكراسي الخالية في بلادنا، وفي بيوتنا، وفي حياتنا...
وما أصعبها...
رحلة التعافي والشفاء والتدرب والتعلم والتعثر، كي نصل إلى عيدٍ ما، في سنةٍ ما، يومًا ما ونقرر أن ننزع الكرسي الخالي من المركز وندمجه في خط الدائرة ليأخد مكانه ومكانته في حياتنا لكن دون أن تتمحور بمجملها من حولِه...
يومئذٍ سنسمح لأنفسنا أن نعيّد من جديد، أن نذوق طعم الفرح الذي نسيناه ونسِيَنا، أن تحفر الإبتسامة طريقا جديدا تشقّه بجهد على وجوهنا... رغم الكرسي الخالي...


رهام جرجور

تشرين الثاني\نوفمبر ٢٠١٨